د.خليل الرفوع الشعر بين أسواق الجاهلية ومهرجاناتنا

د.خليل الرفوع الشعر بين أسواق الجاهلية ومهرجاناتنا
د.خليل الرفوع الشعر بين أسواق الجاهلية ومهرجاناتنا

لقد عرف العرب قبل الإسلام أسواقا يُلقى فيها الشعر ، وهي في الأصل لم تكن إلا أسواقا اقتصادية تُعرض فيها بضائعهم وتجاراتهم ، وتتناسب زمانيًا وحجَّهم للكعبة إذ تتموقع على طرق سيرهم وحركة قوافلهم ، وغالبا ما تعقد تلك الأسواق في الأشهر الحرم وفيها تضع الحرب أوزارها ، كما أن انعقاد الأسواق في تلك الأشهر يجعل التجار يشعرون بالأمان على أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم من العبث والسرقة وكانوا يدفعون أمولا للقبائل التي تحرس قوافلهم سموها ( جُعْلا ) ، وقد كان العرب الوثنيون يحجون البيت اقتداء بما فعله إبراهيم عليه السلام بعد أن رفع قواعد البيت مع ابنه إسماعيل ، وجعله الله مثابة للناس ، وفي تلك الأسواق يعرضون بضاعاتهم حَضَرا وبدوا وأعرابا ، عربا وغير عرب من أحباش وفرس وروم ونبط وكان مهرجانا شعريا يأتي إليه الشعراء من مختلف أنحاء الجزيرة والشام والعراق يُلقون الشعر بلهجة قريش وقد منحها ذلك السيادة على القبائل العربية ، وقد امتدت تلك السيادة للهجة قريش في الإسلام عندما نزل القرآن الكريم بلغتهم ، كما كان المحكّمون يأتون إليها من مختلف الأنحاء للفصل بين المتنافسين في الشعر، والأدب، ومن أشهرهم النابغة الذبياني ، وذكرت أغلبُ الروايات أن أغلب المحكّمين في غير الشعر كانوا من بني تميم . ومن تلك الأسواق سوق عكاظ جنوب مكة ،ويعكظ القومُ بعضَهم بعضاً أي من الغلبة والقهر والمفاخرة وقد كان العرب يرتادونه عشرين يوماً في السنة، وتحديداً أول عشرين يوماً من شهر ذي القعدة .

ومن أسواقهم منى وذوالمَجَّنة وذو المجاز وموقعها قرب منى وعرفات ، ومنها بُصرى وغزة في بلاد الشام , وحضرموت وصنعاء وعدن وأبين في اليمن ، ودَبى وصُحار والمشقَّر و هجَر في ساحل الخليج العربي ، ودومة الجندل في وسط الجزيرة وتِهامة على البحر الأحمروغيرها ، وكُناسة و المربد في العراق في العصر الأموي ، وما يهمنا في المقالة الإشارة إلى الفرق بين أسواقهم ومهرجاتنا الشعرية التي لا تكاد تنقضي إلا ويعقبها آخرُ هو أسوأ من أخيه ، أسواقهم في العصر الجاهلي كان يعرض فيها من الشعر الحوليُّ المُحَكَّك أي الشعر الذي جوَّده صاحبه حولا كاملا ، إنَّ ذلك الشعر هو من أسس اللغة العربية فكرا وأسلوبا وإيقاعا ونظما وكان الشعراء وقتئذٍ يقطعون البيد الأودية ويصيبهم الظمأ والنصب والمخمصة لينشدوا شعرا مجلجِلا يحفظه الناس ويتمثلونه في أنديتهم ، ويردده الرواة فيرفعون به بيوتا ويهدمون أخر على رؤوس أصحابها ؛ لذا عاش كثير من شعرهم إلى يومنا لأن فيه إنسانية ولغة وصورا وإيقاعا وتجددا وغرابة وفكرا وحياة ؛ ولا يحسبَنَّ حاسبٌ أو يظُنَنَّ ظانٌّ أن القرآن تحدى غير الشعراء والبلغاء أن يأتوا بمثله أو بعشر سُور أو بسورة واحدة مِن مِثله ؛ فقد كانوا هم المشتغلين بالشعر وصياغة الفكر بلغة بيانية مدهشة الأمر الذي جعل القرآن من بعدُ ينفي عن الرسول عليه السلام الشاعريةَ وعن القرآن الشعريةَ ، لم يكُ أكثرُ شعراء العرب آنذاك إلا سادة قبائلهم وفرسانها وكبارها ، وأما في زمننا فإن مهرجاتنا استعراضيةٌ تكاد تخلو من الشعر والشعراء ؛ فالتذاكر تُدفع والأموال تنفق والإعلام يُعلِمُ ويُضخِّم ، وحينما تسمعُ لا تسمع إلا غُثاء وألغازا وكلاما قيل بلا لغة رائقة وعاطفة وفكر، ويزعمون أنه شعر وأدب وإذا كان ثمة جمهور فهو من الأصفياء المقربين أو المجاملين ، شعر لا معنى له فلا يحفظ ولا يُتمثل به ، وقد تداخل إيقاعيا مع النثر فجاجَةً وركاكةً، وكأن مقولة ( أن تسمع بالمُعيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه ) قيلت في أكثر مَنْ يُسمون أنفسَهم شعراء ، فكان شعرُهم حَشَفا وأضغاثا وسوءَ كِيْلة ، وقد عناهم المتنبي في قوله مخاطبا سيف الدولة بعد أن ضاقت عليه نفسه مما يرى من شعرهزيل سامَه كلُّ مفلس:

بأيّ لَفْظٍ تَقُولُ الشّعْرَ زِعْنِفَةٌ ...... تَجُوزُ عِندَكَ لا عُرْبٌ وَلا عَجَمُ
وأما بعدُ ،

فلن تدع العرب قول الشعر حتى تدع الإبل حنينَها ، وفي كل زمن يكثر ناظمو الشعر وقائلوه لكن من يبقى هم الشعراء الذين تُسطَّر أشعارُهم في روح الأمة حياةً خالدة ؛ لأن ما ينفع الناس يمكث في قلوبهم رُخَاءً وطِيْبا، وأما الزبد فيذهب جُفَاء وهشيما ، أو يسَّاقَطُ كأوراق الخريف تذروها الرياح على الدِّمَن البلاقع .

بِأَيِّ لَفظٍ تَقولُ الشِعرَ زِعنِفَةٌ تَجوزُ عِندَكَ لا عُربٌ وَلا عَجَمُ